سهيلة عبد الباعث الترجمان

715

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

كذلك لا خير في الأشياء ولا شر ، بل هو نسبي ، وهذا هو الاتجاه الذي يسير فيه الجيلي في نظرته إلى الخير والشر . فالجيلي وإن كان ينفي وجود الشرّ في العالم فذلك لسريان السرّ الإلهي فيه ، حيث أن الخير هو ما يصدر عن اللّه ، وليس للشرّ إليه سبيل ، وقد اختص أهل العناية لما عرف عنهم بالتزامهم الخير ، حيث أن السرّ الإلهي ظهر في ذواتهم وصفاتهم ، وسيطر على أفعالهم ، وتجلّى في مللهم ونحلهم ، وهذا بعيد عن أهل الشر ، بل الأمر عكس ذلك . ومما يراه في هذا الشأن " أن من ترقّت نفسه ، وعلت همته ، وسمت روحه ، لا يرى للشقاء أو الشر وجودا ، لأنه يلمس ما للسرّ الإلهي من فضل في نزع الشرّ من النفوس ، وهيمنة الخير عليها ، لأن اللّه لا يصدر عنه الشر مطلقا ، ومن هنا يرى أنه ما ثمّ شقاء ، فكل ما سوى اللّه هو عالم العناية ، لأنه في قبضة الحق ، وما في قبضة الحق فهو عنده ، وما عند اللّه خير وأبقى ، والشقاء شرّ ، والشر ليس إليه " « 1 » « 2 » وعلى ذلك ، فالشر هو عدم محض في نظر الصوفية ، أي عدم وجود صفات إيجابية ، فليس للشر وجود حقيقي بالنسبة للّه الذي ليس في طبيعته تقابل ، والشر في الأشياء المتقابلة بالتضاد ، فوجوده قاصر على عالم الظاهر حيث تعرف الأشياء بأضدادها . وهكذا نجد أن الجيلي رغم خلافه مع ابن عربي في مسألة الجبر والاختيار كما بيناه آنفا ، إلا أنه يساير في جبريته وما يترتب عليها من القول بالخير والشر والثواب والعقاب جبرية غيره من المسلمين أمثال الجهمية الذين افترضوا أن العالم مسيّر بقوة عليا هي اللّه ، وكذلك يشارك الأشاعرة في رأيهم أن اللّه خالق الإنسان وأفعاله ، ولو أنه أراد أن لا ينفي الجزء الاختياري فيه ، فنفى عن نفسه الجبرية وقال بنظرية الطاعة ، وهذا ما يدل على أنه في مذهبه الجبري يقول بأن العبد يخضع للقدرة ولا يتصرّف إلا بجريانها عليه وتقدير الحق له . هكذا يلتقي الجيلي بالأشعرية في مسألة الثواب والعقاب والطاعة والمعصية ، إذ أن الإنسان عنده مخيّر مستطاع فهو مكتسب لعمله ، واللّه خالق لكسبه من خير أو شر ، وقد قال الأشعري : " وجميع أفعال

--> ( 1 ) ربما قوله هذا مستفاد من الحديث بقوله صلّى اللّه عليه وسلّم " الخير كله بيديك والشر ليس إليك " سبق تخريجه . ( 2 ) الجيلي ، شرح الإسفار ، ص 185 .